الصحة: حق اساسي لمن يملك و من لا يملك
اثارت الصحف اليومية في ما مضى من سابق الايام قضية العلاج المجاني و الدواء المدعوم و استعرضت في صفحاتها وضع الامداد الدوائي للمؤسسات العلاجية من خلال الية الهيئة العامة للامدادات الطبية . كما استعرضت اراء بعض المختصين في هذا المجال حول امكانية العودة للمجانية العلاج من عدمها و عليه فاننا في رابطة الاطباء الاشتراكيين (راش) نود توضيح رأينا المهني و العملي في هذه القضية.
في حقيقة الامر ان ضرورة توفير العلاج لمن يحتاجه هي ركن اساسي في بناء اي دولة ترغب او تصبو بالاستثمار في مستقبلها نحو التنمية الحقيقية للانسان . فالصحة هي موشر هام لمعدل التنمية الحقيقية في كل بلد، لذلك نجد قضاياها تتصدر اولويات اهداف التنمية للالفية الجديدة (Millennium Developmental Goals) . و قبل ذلك فان الحق في الصحة يمثل ركناً اساسياً من العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (ديسمبر 1966). الذي تقر بموجبه الدول الموقعة بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه، و تتعهد بموجبه بتهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض (المادة 12). و عليه فان الامر يتطلب بدءاً وجود الارادة السياسية من قبل الدولة للاضلاع بمسئوليتها المباشر تجاه مواطنيها بخلق نظام صحي يعالج من يملك و من لا يملك . ولما كان النظام الصحى فى بلادنا يعانى من أمراض خطيرة أبرزهاالتجاهل الحكومي و انعدام الالتزام السياسي تجاه قضايا الصحة و الفوضى وإهدار الإمكانيات وغياب أى نظام علمى للتسجيل الطبى والتحويل من مستوى علاجى لآخر وغياب تفرغ العاملين (او وجودهم حتى في بعض الاحيان) الضرورى لإنجاح أى عمل مؤسسى، وتشتت المنظومة العلاجية مع ضعف تأهيل القائمين على العملية العلاجية وغياب اتباع الخطوط المرشدة فى التشخيص والعلاج فقد انتظر السودانيون طويلا إصلاحا صحيا حقيقيا يعالج تلك العيوب ويحقق أفضل توظيف لإمكانياته البشرية والمادية لتحقيق افضل مستوى ممكن لعلاج ابناء شعبنا. الا أن الذي حدث في العهد الانقاذي الحالي كان على العكس تماماً مما انتظره ابناء شعبنا ، فبالاضافة الي الغاء نظام العلاج المجاني و تحويل المستشفيات و المراكز الصحية الي مراكز جبايات متخصصة فان فلسفة الدولة تتناقض جذريا مع حق المواطنين فى العلاج ، حيث تفرق بينهم فى تلقى الخدمات العلاجية و تقلل بشدة من فرص إتاحته لهم ، كما تشترط شروط مالية معجزة تمنع غالبيتهم من تلقى الخدمات العلاجية، كل ذلك من أجل خصخصة العلاج وتوسيع نصيب القطاع الخاص فى تقديم الخدمات العلاجية ، وصولا لانفراده بتقديم الخدمات العلاجية كخدمة اخرى تقدمها الحكومة لمصلحة رأسالمال الطفيلي الذى لا يكتفى بالوضع الحالى الذى يعطيه مساحة ليست بالقليلة من العمل وتحقيق الربح بل يسعى جاهدا للانفراد بالسوق والتربح من شراء الأصول الصحية الهائلة التى تمتلكها وزارة الصحة.(و المستشفيات التعليمية التي اصبحت تتصارع لاقتنائها كليات الطب الخاصة ببخس قيمتها مثال ليس افظع منه الا مأساة بيع و تخصيص الجزء الجنوبي من مستشفى الخرطوم في الاشهر القليلة الماضية). و كتأكيد لما سبق فلنظر معاً لهذه الارقام الواردة في التقرير الاحصائي لوزارة الصحة الصادر في نوفمبر 2006 :
بلغت القيمة الكلية المجازة للصرف على القطاع الصحي في ميزانية 2005مبلغ 29,437,000 دولار مثلت 2.3% من ميزانية الدولة فيما بلغ الصرف الحقيقي على القطاع الصحي لنفس العام 27,097,000 دولار(1.96%من الميزانية) بفارق 2340000 ( اثنين مليون و ثلاثميئة و اربعين الف دولار امريكي)كانت كافية على بؤس قلتها لتأهيل مستشفيات العاصمة و اقسام حوادثها او دعم الطرفية منها باجهزة للتشخيص تغيب في بعض الاحيان (او فلنقل اغلب الاحيان سعياً وراء مصطلح اكثر دقة لتوصيف الواقع) عن المركزية منها، او على الاقل توفير الدواء لمئات و الاف من المرضى يرقدون على اسرة المرض حائرين هم و اسرهم عن كيفية تنفيذ تعليمات العلاج . او فلنكن اقل طموحاً و طمعاً في الغد و نرجو لو انها كانت صرفت على توفير المعدات الاساسية المستهلكة في غرف العمليات او تأهيل بعضها ب (لمبات اضاءة) تضئ للجراح مسار جراحته بما يكفي لكي لا ينسى شاشة او مشرط في احشاء مريض. اوعلى اسوأ الفروض كان لهذا المبلغ أن يساهم في تأهيل بعض الاطباء و تدريبهم. و لكنه عجز و بؤس غير الراغبين في التمام او التتمة .
اما عن العام الذي يليه 2006 ، عندما ارتفعت ميزانية الدولة بنسبة 69.5% من 1,451,000,000 دولار الي 2,085,243,000 دولار فقد انخفضت نسبة الصرف على الصحة !!! لكأنها ليست من الاولويات الهامة للدولة الرشيدة . فقد خطط حينها مبلغ 39,373,000 دولار ليصرف على القطاع الصحي بنسبة 1.89% من الميزانية و بلغ الصرف الحقيقي على الصحة 29,812,000 دولار بنسبة 1.63% من الميزانية ، و لكم سادتي أن تتخيلوا ما كان يمكن ان يصنعه الفرق الذي يكاد يبلغ العشرة ملايين دولار عداً و نقداً .هذه الاحصاءات تقول بلغة الارقام التي لا تكذب أن حكومة جمهورية السودان تصرف على صحة الفرد الواحد(انا و انت و ست الشاي التي تجلس على ناصية الشارع المقابل و جارك في الحي و الكمساري الذي اختلفت معه في الصباح و ابناءك و ابناءهم و القاطنين في العراء في معسكرات النازحين في دارفور النازحين على الحدود الشرقية و قاطني وقر و غزالة جاوزت و كل القرى المنسية في بلادنا ...الخ بافتراض طموح يزعم ان تعدادنا جميعاً لا يتجاوز الاربعين مليون) اقل من دولار واحد و بالتحديد حوالي 1.4 جنيه سوداني جديد لكل منا.
. وسيصيبنا العجب العجاب عندما ندلف لتفاصيل هذا الصرف المذكور على الصحة في ميزانية 2006 ، اذا يغطي البند الاول (الاجور و المرتبات) مبلغ 12,025,000 دولار (المرصود 12,134,000) تزعم الوزارة صرفها على 8799 طبيب (ملحوظة: نسبة تغطية الاطباء للمواطنين بمعدل طبيب لكل 100,000 مواطن تبلغ 22 في السودان بينما تصل في جزر سيشل الي 151 و في تونس الي 134 و في الغابون الي 49 فيما يذكر التاريخ أن مدرسة كتشنر الطبية كانت اول كلية للطب في افريقيا) ، و بلغت المنصرفات الجارية 16,239,000 دولار (المرصود 21,417,000)، بينما رصد مبلغ 5,822,000 ليصرف على تنمية و ترقية الصحة لم يصرف منها فعلياً سوى 1,548,000 دولار بنسبة (26.6%) . فياحبذا التزام الدولة بترقية الخدمات الصحية من التزام. أن المتأمل غير المدقق في فيما سبق من ارقام يدرك عدم جدية الحكومة او التزامها في حده الادنى تجاه صحة مواطنيها فالدولة التي ترتفع ميزانيتها بينما تظل نسبة صرفها على الصحة في نقصان هي دولة لا يمكن وصفها الا بما ورد على لسان وزير مجلس وزرائها السابق (باقان اموم) و بأنها بلغت شاناً عظيماً من السفه و البله السياسيين.
ان مجانية العلاج التي يصرح بها المسئولون في وزارة الصحة بين حين و اخر ما هي الا اكذوبة كبرى تنطبق عليها قاعدة جوبلز الشهيرة كلما ازداد حجم الكذبة كلما سهل على الناس تصديقها. الا ان الزائر العابر للمستشفيات اليوم يجد تحت كل حجر الف دليل على خطل هذه الاكذوبة. فعلى سبيل المثال صدر قرار منذ فترة بمجانية اجراء العمليات في المستشفيات الحكومية و كان ان نفذ على النحو التالي(في المستشفيات التي التزمت بتطبيق القرار على ارض الواقع): لا يدفع المريض اي قرش مقابل ادخاله الي غرفة العمليات لكنه يجب ان يلتزم بتوفير كل العلاجات السابقة و اللاحقة للعملية من (دربات و مضادات حيوية ...الخ) ناهيك عن شراء (الفايل)...المملوك لوزارة الصحة و لا يسمح للمريض او مرافقيه بحمله حسب ما هو مكتوب على غلافه، و اجراء الفحوصات الاساسية السابقة و اللاحقة للعملية و التي لن يمكن ادخال المريض غرفة العمليات من دونها بأي حال من الاحوال.
ان الفشل الذريع في الالتزام السياسي بالشعارات البراقة التي تطلقها اجهزة الدولة بين حين و اخر يعكسه بصورة مباشرة الاضراب الذي تهدد به اليوم مراكز غسيل الكلى اثر تعسر سداد ميزانياتها. و حتى لا يمنعنا شنان قوم الا نعدل نذكر ان العلاج للامراض الوبائية التي انشأت لها الوزارة (بمبادرات ذاتية من اطباء متخصصين في المرض المعين في كثير من الاحيان) برامج متخصصة(كالدرن و الايدز و الملاريا...الخ) هو علاج مجاني بعد أن يثبت التشخيص المرضي و لذلك مسبباته بالطبع و التي ليس من بينها على الاطلاق التزام الدولة تجاه محاربة هذه الامراض و الحد من انتشارها الذي يتوقف في حدود التصريحات المدوية فهذه الامراض تأتي ميزانياتها بالكامل من هيئات الدعم العالمية في شكل ادوية و ميزانيات مسوحات دورية و برامج تثقيف صحي و تأهيل كادر متخصص...الخ.
نعود لنكرر ان الحديث عن نظام علاجي مجاني ممكن و معقول بشريطة وجود ارادة سياسية فعالة و ملتزمة تجاه تطبيق هذا الشعار بتقديم الحق في الصحة لمن يملك و من لا يملك بصورة متساوية و ليبقى القطاع الخاص مقدماً لخدمات صحية اضافية قد لا توفرها شروط اليوم في القطاع الحكومي الذي يقدم الخدمات الاساسية التي تحفظ الحد المعقول لصحة المواطن. و الالتزام الحكومي بمحاربة شبح جشع رأس المال الطفيلي في الاستثمار في مجال الصحة بغية الربح المضمون و السريع باستغلال الانسان لصحة اخيه الانسان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق