ربما احتجنا احياناً الي أن نبتعد لنعرف و لربما احتجنا الي أن نلج قلب العواصف و أن نغرق في قلب الحيرة لعله ينشق كما فؤاد ام موسى جزعاً عن يقين ما و حينئذ ترسى الروح الي مستقر لها بين التقلبات والتأرجح التي استمرأتها في رحلة الهلاك تلك
الجواب الصحيح يستلزم بالضرورة سؤالاً صحيح و الا فماجدواه و السؤال الصحيح يكون في احيان كثيرة عن الضرورة لا الحوجة و تلك معضلة النفس البشرية او ربما هي معضلة الروح
في الافق القادم ماهو اكثر و اخطر من منعطفات الدرب اليوم و حيرة اليوم ستبدو بلاهة كبرى فجر الغد القريب
(في احيان كثيرة ... الكلمة تحيئ و الكلمة تميت لكن اكثر الناس لا يدرك ذلك) ...عبدالرحمن منيف
مدخل ثاني :
(نخف عند التضحية ونعف عند المغنم) ... عبد الخالق محجوب
مدخل ثالث :
(النضال الحزبي يعطي الحزب القوة والحيوية؛ والدليلالقاطع على ضعف الحزب هو الميوعة وطمس الحدود المرسومة بخطوط واضحة؛ إنالحزب يقوى بتطهير نفسه في خضم العمل الجماهيري)...فريديرك لاسال في رسالة الي ماركس – يونيو 1852
مدخل اخير :
(يسعى الحزب الشيوعي السوداني الذي يعتبر من أقدم الأحزاب الشيوعيةالعربية إلى الانخراط مجدداً في الحياة السياسية السودانية، عبر إدخال بعضالتعديلات التي يراها ضرورية لاستقطاب أعضاء جدد، أبرزها تغيير اسمه الذيارتبط بالإلحاد، ومن ثم إدخال عامل الدين في دستوره مع الاحتفاظ بشعارات "الديموقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية)... جريدة الوطن السعودية 3 اغسطس2008
مقدمات ليست ضرورية:
· الماركسية و طبيعة الحزب في تصريحات الشفيع خضر – مقال بقلم الاستاذ تاج السر عثمان 2اغسطس 2008.
· حول مقال تاج السر عثمان الماركسية وطبيعةتصريحات الشفيع خضر- د.عوض محمد احمد بتاريخ 4 اغسطس 2008.
· و اخرى ستأتي...(عجيب كل ما يجري ... و اعجب منه أن تدري)
لك الشعب يا حزبنا و لك جماهيره
لا يسع العاقل اليوم عندما ينظر في اروقة الصراع الدائر على صفحات الجرائد و في مواقع الانترنت الا أن يغض النظر ويترحم على الاسس و القواعد التنظيمية التي قام عليها التنظيم الماركسي اللينيني في السودان لينافح عن مصالح الطبقة العاملة و يصيح لعماله و شعوب العالم المضهدة أن يتحدو. و لا يسعه في محاولة الفهم السليم لما يجري الا أن يراجع تلك الكراسة الصغيرة للينين (ما العمل) التي وضع فيها اسس العمل التنظيمي للكيان الطليعي الذي يجنح يساراً للوقوف ضد كل اشكال التمييز الطبقي و العنصري و السياسي ، ثم يتوقف مطولاً في الصفحات الاولى التي تناول فيها لينين شعار ( حرية النقد ) من واقع صراعهم تلك الايام ثم يدلف الي الجلد اللازع الذي انتقد به لينين افكار ميليرانو برنشتين التي تأخذ موقفا ناقداًً من الماركسية و تدعو الي الاشتراكية الاصلاحية بدمقرطة المجتمع و تدعو الي التحول من حزب ثوري الي حزب اصلاحي ( فيا لوضوح الصراع الفكري حينذاك). فكان أن اجرى عليهم لينين لاذع قلمه في كراسة تنظيمية لعضوية حزبه. و بالطبع فانه ليس من الامكان على الاطلاق تجاهل كتابات و تنظيرات لينين التي اغتنت من تجارب نضال الطبقة العاملة الروسية في 1905-1907-1910 و واصلت تلاقحها حتى خضم الثورة العظمى في 1917 بتجارب الحركة العمالية الاممية ابان الحرب العالمية الاولى و دراسته المتعمقة حول وضع الحركة العمالية في المانيا حينذاك لذلك نجده يغذي مفهومه حول التنظيم بسلسة من الملاحظات و التعديلات تتبلور على الاخص في كتاباته حول افلاس الإشتراكية-الديموقراطية بين سنة 1914 وسنة 1916، و في وثائق المؤتمرات الأولى للأممية الشيوعية وفي "مرض اليسارية الطفولي" و لكن مجمل تلك الافكار تجتمع حول الموضوعات الاساسية لكراسة (ما العمل) و في ذلك كان الوضوح النظري الذي ميز لينين و انتج الخطأ المنهجي الاساسي الذي سقط في براثنه كل من حاول أن ينقض غزل النظرية اللينيية عن التنظيم اعتماداً على الممارسات البروقراطية التي حدثت في الاتحاد السوفيتي بعد وفاته ( فكان أن طبت حياً و ميتاً ايها الرفيق) . لب الامر هو وحدة النظرية و الممارسة (التي ما انفك الشيوعيون يطالبون بها) التي اضطلع بها لينين دون غيره الشي الذي سمح له على الدوام بتقديم البرهان على النظريات بنتائجها العملية او الوصول الي النتائج المنطقية التي تسمح له بتعديلها بما يتوافق مع تلك النتائج. و في ذلك كان اسهام ألييتش (بالاضافة الي الاسس التي ما فتئت تثبث صحتها) في المنهج الماركسي الذي جعل فلسفة ماركس تعرف بالماركسية اللينينية باضافة مرتكزات التطبيق العملي لاسم المنهج النظري. و لم يكن في ذلك ما يعيب على المنهج او يقدح في (زمته ) الفكرية ، فالواقع و التاريخ يقولان أن ماركس على ما ميز كتاباته من تماسك و صدق و اقناع ايدولوجيين لم يترك وراءه نظرية مكتملة عن تشكل الوعي الطبقي البروليتاري و كذلك لم يترك نظرية مكتملة عن بناء الحزب الثوري الذي يقود كفاحه من اجل تحرير الوعي اولاً لدى الجماهير . و ضرورة بناء هذا الحزب بناءاً محكماً هو درس نجده جلياً في وثائق الموتمر الثاني للاممية الثالثة 1920 عندما تناولت الدروس المستقاة من هبة عمال باريس 1871.مستفيدين من الوصف الموجز الذي قدمه ماركس للحزب كبذرة تنمو و تتغذى من نضال الجماهير التي تقوم مسار الحزب بل ترسمه منذ الخطوة الاولى و لذلك نجد ان لينين افلح في حكمه عشية ختام الموتمر الخامس للحزب عام 1908 : (سيعرف (الحزب) كيف يبقى اليوم أيضاحزبا طبقيا, حزب الجماهير, سيبقى الطليعة التي لن تنفصل عن الجيشفي أقسى اللحظات, سيعرف كيف يساعده على التغلب على صعاب هذهالمرحلة الشاقة, على تقوية الصفوف ثانية, وعلى تكوين مقاتلين جددباستمرار). كان جلياً حينها ان الشيوعيون لن يكونوا محترفين متفوقين على الجماهير في عضوية حزب يقود الحركة الجماهيرية من على البعد بل سيدفعون بعضويتهم الي خضم الحركة الجماهيرية. و انهم بالتزامهم بمبادئ الديموقراطية المركزية و اهمها خضوع الاقلية لرأي الاغلبية مع حقها في الدفاع عن رأيها داخل هيئات الحزب ، يحافظون على الوحدة العضوية لتنظيمهم و يحمونه من الانقسامات. و ذاك يتطلب بالضرورة تواصل الصراع الفكري داخل هذه الهيئات للوصول الي نوع ما من التجانس المبدئي حول الافكار و النظريات و البرامج التي يطرحها الحزب و يرفع راياتها اعلاماً لجماهيره. و ذاك التجانس مطلوب بالضرورة للوصول للوضوح المطلوب في طرح الحزب للجماهير التي تنتظر خطاباً موحداً من الحزب الذي يفترض به قيادة نضالها المستمر.
لكن الذي جرى في التاريخ القريب لحزبنا اختلف كل الاختلاف مع تلك المبادئ و الاسس التنظيمية و الفكرية. حتى استسهلت صحف ال سعود الخوض في أمر الحزب و الكتابة عن توجهات موتمره. بل الحكم عليه بالابتعاد عن الحياة السياسية السودانية و ارتباط اسمه بالالحاد الذي حد و حجم عضويته و شعبيته . (فمن اين جئنا اذاً) . كان بداية الامر هو اعراض الكثير من الزملاء عن اثارة الحوار الفكري و الخوض في لججه داخل الهيئات الحزبية المعنية و استسهالهم لاثارة قضايا(اقل ما يقال عنها انها خلافية) على صفحات الجرائد و مواقع الانترنت محتذين في فعل ذلك حذو اولئك الذين خرجوا من الحزب و لا زالوا يدعون الماركسية او حمل الهم الحزبي الثقيل. كانت المأساة التي انتجت ما نراه اليوم من صراع غير مفهوم كنهه و لا صيغته و لا مفاده غير انه يعزف الحانه على شرف المؤتمر الخامس. الذي يبدو انه لن يحسم اي صراع فكري حقيقي _ عجزت المناقشة العامة عن الوصول الي نهايات واضحة عنه_ غير تجديد القيادة و ضخ دماء (الشباب) فيها. و لذلك اسبابه و جذوره فهو الانعكاس الاوضح و الاهم لتحول شعار الحزب لما بعد الموتمر الرابع (اجعلو من الحزب الشيوعي قوة جماهيرية عظمى) الي ذلك الهبوط الاضطراري في الدعوة (للحفاظ على جسد الحزب) و قميص عثمان هذا هو الذي اقعد الحزب عن ممارسة الماركسية ليناقش كنهها في قضايا حسمها التاريخ الاجتماعي و حسمها حزبنا فكرياً في وثائقه و تنظيمياً (خروجاً و تساقطاً و انقساماً) ليظهر جلياً أن كل المنضوين تحت راية الحزب اليوم هم الماركسيون السودانيون على اختلاف شعبهم في تطبيق المنهج الماركسي.
لكن تطبيق هذا المنهج الماركسي لن يكون في الدرسات الفكرية او القراءات المتعمقة في كتب ماركس . هذا التطبيق سيكون في ميدان السياسة الاجتماعية بصورة مباشرة. مع الجماهير و في ركابها . تلك هي الفاصل و هي الحكم التي تمنح حزبنا الدليل الي اين نتجه. لينين كتب كيف نبدأ و الواجب علينا أن نستمر في المسيرة . هذه الممارسة الدائمة للمنهج الماركسي مع التزام بالقواعد التنظيمية للمركزية الديمقراطية والانضباط الثوري, كفيل بتصحيح الأخطاءالسياسية والتنظيمية, وفي نفس الوقت ببناء الخط السياسي الصحيحالذي يبلور نضالات الجماهير الثورية والمنظمة الماركسية اللينينيةكنواة قائدة لهذه النضالات هكذا, وهكذا فقط يتكون القادة كأشخاصيكتسبون في خضم الصراع أعلى خبرة و قدرة وتجربة.
ان معاصرة دور الثورة لن يتأتى الا من خلال الخوض في لجج العمل الجماهيري لنعلمها و نتعلم منها ‘ نخاطبها كما اعتادت و تلتف حول حزبها كلما ارادت ، تقومه ان رأت منه اعوجاجاُ و تطهره ان علق بطاهر ذيله كدر : ان المطرقة تكسرالزجاجة لكنها تزيد الفولاذ صلابة .
( ان الاوباش الفرساليين وضعوا البارسيين امام خيارين لا ثالث لهما : اما قبول التحدي لمعركة او الاستسلام دون معركة . و لو تمت الحالة الاخيرة ، لكان تفسخ معنويات الطبقة العاملة كارثة اعظم بكثير من خسارة اي عدد من الزعماء)
كارل ماركس –سبتمبر 1870 في رسالة الي انجلز بخصوص الكومونة
ارجعنا مجلس الوزراء المؤقر خطوات كثيرة الي الخلف، و هو يثير بحذفه للمادة (13) المتعلقة بتجريم و منع ختان الاناث من قانون حماية الطفل الجدل المحسوم مسبقاً حول مضار الختان. فاليوم لا يختلف عاقلان حول الاثار الجسدية و النفسية المدمرة لصحة المرأة جراء هذه العادة ، الا أن المجلس الموقر – فيما يبدو انه صفقة لتمرير بعض التوازنات – قرر حذف المادة المعنية من القانون، و ارجاء النظر فيها لحين تحديد النوع الشرعي من الختان و ذلك حسب الفتوى الصادرة عن مجلس الفقه الاسلامي، و تلك هي الخطورة في الامر.
فاقحام حجية الدين في التبرير لمثل هذه العادة فيه اقصاء للحوارالعقلاني و العلمي و الغاء غيبي لما اثبته البحوث الطبية المتتالية (و الاطباء هنا هم اهل العلم و الدراية) عن اثار الختان الضارة، باستلاب المؤمن نحوها ظاناً بانه يطيع ربه و يؤجر في عملية تشويه الاطفال هذه. و الاخطر هنا ان التبرير الديني للختان (السني) سيفتح الباب امام ممارسة كل انواع الختان بل و الاستزادة فيها. فالاستزادة في الطاعة مكرمة. ومادمنا نؤجر على ذلك الختان الخفيف (السنة) فلا شك أن الاجر اكبر في الختان الاكبر (الفرعوني) و في ذلك فليستزيد المؤمنون. و ايضاً اقحام الدين في الامر فيه تجاهل تام لكل الجدل الديني الدائر حول ختان الاناث و تجاهل للفتاوي الكثيرة التي تحرمه "بكل اشكاله و صوره و انواعه" و اخرها فتوى مفتي الديار المصرية التي ورد بنصها: (أن «ختان الإناث» ً، هو عادة محرمة شرعاً، وذلك لما أثبته الطب الحديث بالأمرالقطعي واليقيني، بمضاره الكثيرة الجسدية منها والنفسية علي الأنثي، حيثيكون ختان الأنثي أو خفاضها بقطع جزء من جسدها بغير مسوغ أو ضرورة توجبهأمراً محظوراً شرعاً.) و كما اضاف المفتي في فتواه: (إن ختان الإناث عمل من قبيل العادات، وليسمن قبيل الشعائر والعبادات، والذي هو من قبيل الشعائر "ختان الذكور"،باتفاق جميع العلماء والفقهاء والأطباء علي مر العصور.) و هذا غير الفتاوي الكثيرة في السودان و خارجه التي تحرم و تدين هذه الممارسة. فما له علينا مجلس وزرائنا المؤقر يريد ان يفتننا في امر ديننا و يفتح الباب على حرب للفتاوي.
و بعيداً عن كل هذا الجدل، فان حجية مجلس الوزراء في امكانية وجود سند شرعي لما يعرف بختان السنة، و احالة ذلك الي لجنة متخصصة من الاطباء تحت رئاسة بروفيسير ابو عائشة وزير الدولة بوزارة الصحة لتحديد اثاره و دراستها، _ و ذلك بتجاهل كون الامر قد نظر و درس من قبل الاطباء من قبل و قطعوا جميعهم بالمضار حتمية الحدوث لختان الاناث يقف شاهداً على ذلك القرار الصادر من المجلس الطبي الذي يمنع كل الاطباء السودانين من ارتكاب هذا الفعل _ يقف حائلاً امام تحديد هذه الرؤية الفقهية و الطبية التي يسعى مجلس الوزراء لستر عورة هذه العادة الضارة بها، عدم وجود هذا الاختلاف بين السنة و الفرعوني على الارض الواقع. ففي دراسة اجريت على القابلات اللاتي يمارسن هذا الفعل ، لتحديد ما هو الختان السنة و ما هو الفرعوني ، كانت النتيجة انهم لا يعرفن بالضبط ما الذي يقمن به. و تبقى الحقيقة أن مجرد وضع المشرط او الموسى على جسد هولاء الطفلات بدون مبرر هو جريمة تستحق المنع يا مجلس وزرائنا المؤقر. فالذي تودي اليه هذه الممارسة بصورة مباشرة و فورية من الم شديد مرده قطع هذه الانسجة الغنية بالمستقبلات العصبية مما قد يؤدي الي صدمة عصبية تؤدي الي هبوط شديد بالدورة الدموية بالاضافة الي النزيف الحاد نتيجة لقطع الشريان البظري الذي يزيد من اثار و مضاعفات الصدمة لتنتهي بالوفاة هو جرم لن تجدي ازاه كل التبريرات و المبررات. هذا غير المضاعفات التي تنتج من اصابة الاعضاء المجاورة مثل حبس البول جراء الخياطة الخاطئة و الالتهابات المزمنة بالمنطقة.
ان الاولى بمجلس وزرائنا الموقر و هو الذي يهمه أن ينفي عن نفسه (تهمة تجاهل الجهات العلمية و ذات الدراية و الاختصاص في معالجته لموضوعاته و قضايا المجتمع)، ان يلتفت الي نسبة الوفيات العالية للامهات خلال ولادة و التي فاقت في اخر الدراسات الاحصائية اكثر من 11 أمرأة لكل 100 ولادة. و ليسأل نفس اهل الدراية و الاختصاص الذين يهمه أن يستنير برأيهم عن اسباب ذلك لعله يجد النسبة العالية لختان الاناث التي تقارب 70% هي المسبب الاساسي لذلك.
فالحال ان ختان الفتاة في ظروف السودان اليوم، هو جريمة قتل مؤجلة تنتظر التنفيذ. فلنتذكر الطفلة انعام و لتتذكر الدولة مسئوليتها عن الشعب و و ليخطو مجلس الوزراء التزاماً بسياساته الرسمية و حكم العقل و المنطق و المواثيق التي سبق و أن اقرها و اخرها في الموتمر الوزاري الاسلامي للوزراء الملكفين برعاية الطفولة و الذي عقد تحت رعاية السيد رئيس الجمهورية هنا في الخرطوم في فبراير الجاري و اكدعلى (ضرورة الاهتمام بالاطفال وحمايتهم من الاستغلال الجنسي والنزاعات المسلحة والزواج المبكر وختان الاناث )خطوته الاولى باتجاه وقف هذه الجريمة
"سيتوقفكلشيء ،على امكانيةدعمالثورةالبروليتاريةبطبعةماجديدة ...عندئذ يكونكلشيءعلىمايرام." ماركس في رسالة الي انجلس بتاريخ 17 ابريل 1857
بالطبع تحتل مكانة مسألة النظرية موضع مركزي في اشكالات الحركة الثورية ، فالذي تقرره المقولة الماركسية من انه لا يوجد تنظيم ثوري بدون نظرية ثورية يحسم ضرورة الوضوح النظري للتنظيم الذي يسلك طريق الثورة او التغيير الاجتماعي الجذري في حل الاشكال السياسي او تفسيره. لكن بالرغم من أن هذا الاشكال النظري كان الاكثر تداولاً على الاطلاق فهو مع ذلك اكثر المواضيع غموضاً و ضبابية ايضاً. فالواقع البسيط يضعنا امام حقيقة أن انتشار فكرة ما يصحبه دوماً تمييع لهذه الفكرة و تبسيط مخل لها في بحر الشعارات و العمومية. و لهذا جاءت قاعدة لوكاش في حديثه عن التنظيم اللينيني و قواعده الصارمة : "ان التنظيم هو شكل التوسط بين النظرية و الممارسة". و عندما نقرأ هذا على ضوء مقولة انجلز عن أن "نظريتنا ليست عقيدة جامدة بل هي دليل عمل" ، نفهم صلة وصل التلاقح الدياليكتيكي المستمر بين النظرية و التنظيم . لكن التاريخ بعيده و قريبه يحكي لنا كيف أن تقديس العفوية او (الارث الثوري) يصاحبه على الدوام اهمال و لو من طرف خفي او غير واعي للنظرية و يسقط بنصوصها الفكرية في براثن التحول الي شعارات ترسم على الجدران كمقولات بديهية و حقائق عامة لا تحتاج الي نقاش او جهد فكري للاثبات مما يفقدها اي معنى عميق لها. و يرتفع بها هذا التقديس شبه الغيبي الي مرتبة تعلو على اخضاعها الي اية دراسات عملية بل و ترقى الي عدم تناولها حتى في متون الابحاث النظرية، و بالتالي يتوقف نموها الفكري عند مرتبة الايدولوجيا الكاملة التي رضي بها معتنقوها الا تزيد و لا تنقص. فالذي يحدث عند رفض الخوض في مسائل التحدي النظري في اطره التنظيمية الحقيقية خوفاً من عواصف خطر ليبرالي (يميني) بدأت في الهبوب او تقديساً لنزعات ارث عمل تنظيمي مجيد هو مظهر حرفي ميكانيكي يغتال الفكر الثوري و يسقطه من مقتل.و يسمح بوجود من هم خارج التنظيم و على تخوم الفكر السياسي ، بتوجيه رسائل خاوية الوفاض و خاطئة المحتوى الي مؤتمر حزبي يناقش من القضايا ما هو اهم من تقسيمات لتيارات يتوهمونها داخل حزبنا الشيوعي السوداني. و هولاء المتوهمون من بالداخل منهم و من بالخارج و الذين لا تنقطع ثرثرتهم و رسائلهم الاسفيرية منها و المطبوعة حول ضرورة التمسك بالنظرية و حمايتها من الانحراف هم في الواقع الاكثر فشلاً في الممارسة و التطبيق العملي الخلاق لهذه النصوص النظرية ، بل و يفاجئهم على الدوام ابسط تبدل في الواقع الذي يدعون للتمسك به و الارتباط به. و هم – بغض النظر عن اشكالاتهم الانسانية الاخرى- هم الذين وصفهم لينين بأنهم يفتقدون " لمنهاج منتظم وضع بعد اعمال للفكر استعداداً لنضال دوؤب و عمل عنيد".
فكارل ماركس المفترى عليه و على فكره لم يضع خارطة طريق للمسير نحو الثورة و لم يرسم حدود التيار اليساري الثوري ، المرحوم لم يفعل اكثرمنه انه وضع ملامح عامة واثقاً من التراكمات الكمية لتجارب الجماهير و الكادحين و التنظيمات الثورية كفيلة بصنع القالب المناسب لظروف كل مرحلة ثورية. و هذا المفهوم الواعي لماهية الثورة هو الذي يصنع الفرق بينها و بينا انواع ظواهر التغيرات السياسية الاخرى كالانتفاضة و الهبة الشعبية و حتى الانقلاب العسكري. فهذه الجموع لا تصل الي حقيقة بؤس الاستغلال الرأسمالي لمواردها و الطبيعة الراسمالية المشوهة والتابعة في بلادنا في اطار تحالف الكومبرادور والبيروقراطية الحاكمة و عدم امكانية التوفيق بين مصالحها الجمعية ومصالح رأسمال الا بتجاربها العملية في خضم الصراع السياسي. و ليس عن طريق التمسك بشعارات نضال اليسار المقاوم و تجريم الانحراف اليميني اينما اتى. و في هذا نجد أن اشارة لينين عن الحركة العمالية في "ما العمل؟" عن عدم امكانية العمال بقواهم الذاتية تجاوز الوعي النقابي القاصر على هموم العمل كانت تاكيدا مبالغا فيه كما اعلن لينين نفسه.
. و ليس المقصود بالطبع أن النظرية الثورية هي جملة استنتاجات عامة. بل هي اكثر من ذلك بكثير، انها كل متكامل من التحاليل والاستنتاجات، كل يغتني دائما بما يضفيه عليه التاريخ. انها بالدرجة الاولى دراسة للتاريخ ليس فقط بمحركاته العامة بل ايضا بما يقدمه من دروس وعبر يمكن استخدامها في النضال العام ضد النظام الراسمالي و التاريخ كما تقرره الفلسفة الماركسية ايضاً هو مسار حلزوني له لحظات صعوده و هبوطه و في كل دروس. و تشعب حركة العمال و الجموع الكادحة في ظروف اليوم ، يشير بوضوح و يؤكد ضرورة وجود اتجاهات نظرية مختلفة تصب في صالح حركة النضال ضد الرأسمالية و تأطيراتها المختلفة. و هنا ايضا يجب "تحديد الفروق الصغيرة"، و اقصد بذلك انه لا يجوز التسليم بكل ما صدر عن الثورات المنتصرة... لانها انتصرت. ان هذا الموقف التجريبي الصرف ابعد ما يكون عن استيعاب النظرية الثورية.
فدراسة تاريخ الثورة الصينية، مثلا، لا يمكن توقيفه على قراءة ماوتسي تونغ، بل يجب القيام بتحليل نقدي لمجرى هذه الثورة العظيمة، تحليل نقدي لسياسة الحزب الشيوعي الصيني والتحقق من صحة هذه المواقف. على ضوء التاريخ الواقعي الملموس للثورة الصينية (وسيرورتها على طريق راسمالية الدولة واقتصاد السوق والانفتاح الراسمالي فيما بعد انهيار المنظومة الاشتراكية). وما يقال هنا يصح بالنسبة لجميع الثورات. اما الذي يدعيه البعض من كونهم (الماركسيون الشرعيون) او (اليسار الحقيقي) او انهم (المتحدثون باسم التيارات الديموقراطية الحريصة على مستقبل القوى الحديثة في بلادنا) فهو لا يعدو غير لغو ممن عجزت راحلته عن المسير في الدرب ، و الدرب صعب و الثورة ليس لها ان تسير بسير اضعفها.
ان الذي نضعه امام اعيننا دوماً هو أن الاسهام الاعظم لكارل ماركس كان اكتشافه للمفهوم المادي لحركة التاريخ او بمعنى ادق في توسيع مواعين المادية الفلسفية لتدخل ميدان تفسير الظواهر الاجتماعية متجاوزاً بذلك عيبين رئيسين فيما سبق من نظريات اجتماعية : 1) عجزها عن ادراك الجذور للظواهر المعنية في حركة التطور المادي (الاقتصادي على وجه الخصوص) 2) اهمالها للظروف الناتجة من حركة الجماهير و تأثيراتها النظرية. فقد(كان "علمالاجتماع" وعلم التاريخقبل ماركسيكدسانفياحسنالحالاتوقائعخاممجموعةكيفمااتفقويعرضانبعضالجوانبمنحركةتطورالتاريخ) ف. أ . لينين
و ذلك الذي جهلته او تجاهلته تلك الرسالة المفتوحة التي بعث بها صاحبها الي المؤتمر الخامس و زعم بأنه فصل جراءها ...و اخرون ايضاً هنا و هناك