أمر الختان
و مرجعية التشريع مرة اخرى ...
ارجعنا مجلس الوزراء المؤقر خطوات كثيرة الي الخلف، و هو يثير بحذفه للمادة (13) المتعلقة بتجريم و منع ختان الاناث من قانون حماية الطفل الجدل المحسوم مسبقاً حول مضار الختان. فاليوم لا يختلف عاقلان حول الاثار الجسدية و النفسية المدمرة لصحة المرأة جراء هذه العادة ، الا أن المجلس الموقر – فيما يبدو انه صفقة لتمرير بعض التوازنات – قرر حذف المادة المعنية من القانون، و ارجاء النظر فيها لحين تحديد النوع الشرعي من الختان و ذلك حسب الفتوى الصادرة عن مجلس الفقه الاسلامي، و تلك هي الخطورة في الامر.
فاقحام حجية الدين في التبرير لمثل هذه العادة فيه اقصاء للحوارالعقلاني و العلمي و الغاء غيبي لما اثبته البحوث الطبية المتتالية (و الاطباء هنا هم اهل العلم و الدراية) عن اثار الختان الضارة، باستلاب المؤمن نحوها ظاناً بانه يطيع ربه و يؤجر في عملية تشويه الاطفال هذه. و الاخطر هنا ان التبرير الديني للختان (السني) سيفتح الباب امام ممارسة كل انواع الختان بل و الاستزادة فيها. فالاستزادة في الطاعة مكرمة. ومادمنا نؤجر على ذلك الختان الخفيف (السنة) فلا شك أن الاجر اكبر في الختان الاكبر (الفرعوني) و في ذلك فليستزيد المؤمنون. و ايضاً اقحام الدين في الامر فيه تجاهل تام لكل الجدل الديني الدائر حول ختان الاناث و تجاهل للفتاوي الكثيرة التي تحرمه "بكل اشكاله و صوره و انواعه" و اخرها فتوى مفتي الديار المصرية التي ورد بنصها: (أن «ختان الإناث» ً، هو عادة محرمة شرعاً، وذلك لما أثبته الطب الحديث بالأمر القطعي واليقيني، بمضاره الكثيرة الجسدية منها والنفسية علي الأنثي، حيث يكون ختان الأنثي أو خفاضها بقطع جزء من جسدها بغير مسوغ أو ضرورة توجبه أمراً محظوراً شرعاً.) و كما اضاف المفتي في فتواه: (إن ختان الإناث عمل من قبيل العادات، وليس من قبيل الشعائر والعبادات، والذي هو من قبيل الشعائر "ختان الذكور"، باتفاق جميع العلماء والفقهاء والأطباء علي مر العصور.) و هذا غير الفتاوي الكثيرة في السودان و خارجه التي تحرم و تدين هذه الممارسة. فما له علينا مجلس وزرائنا المؤقر يريد ان يفتننا في امر ديننا و يفتح الباب على حرب للفتاوي.
و بعيداً عن كل هذا الجدل، فان حجية مجلس الوزراء في امكانية وجود سند شرعي لما يعرف بختان السنة، و احالة ذلك الي لجنة متخصصة من الاطباء تحت رئاسة بروفيسير ابو عائشة وزير الدولة بوزارة الصحة لتحديد اثاره و دراستها، _ و ذلك بتجاهل كون الامر قد نظر و درس من قبل الاطباء من قبل و قطعوا جميعهم بالمضار حتمية الحدوث لختان الاناث يقف شاهداً على ذلك القرار الصادر من المجلس الطبي الذي يمنع كل الاطباء السودانين من ارتكاب هذا الفعل _ يقف حائلاً امام تحديد هذه الرؤية الفقهية و الطبية التي يسعى مجلس الوزراء لستر عورة هذه العادة الضارة بها، عدم وجود هذا الاختلاف بين السنة و الفرعوني على الارض الواقع. ففي دراسة اجريت على القابلات اللاتي يمارسن هذا الفعل ، لتحديد ما هو الختان السنة و ما هو الفرعوني ، كانت النتيجة انهم لا يعرفن بالضبط ما الذي يقمن به. و تبقى الحقيقة أن مجرد وضع المشرط او الموسى على جسد هولاء الطفلات بدون مبرر هو جريمة تستحق المنع يا مجلس وزرائنا المؤقر. فالذي تودي اليه هذه الممارسة بصورة مباشرة و فورية من الم شديد مرده قطع هذه الانسجة الغنية بالمستقبلات العصبية مما قد يؤدي الي صدمة عصبية تؤدي الي هبوط شديد بالدورة الدموية بالاضافة الي النزيف الحاد نتيجة لقطع الشريان البظري الذي يزيد من اثار و مضاعفات الصدمة لتنتهي بالوفاة هو جرم لن تجدي ازاه كل التبريرات و المبررات. هذا غير المضاعفات التي تنتج من اصابة الاعضاء المجاورة مثل حبس البول جراء الخياطة الخاطئة و الالتهابات المزمنة بالمنطقة.
ان الاولى بمجلس وزرائنا الموقر و هو الذي يهمه أن ينفي عن نفسه (تهمة تجاهل الجهات العلمية و ذات الدراية و الاختصاص في معالجته لموضوعاته و قضايا المجتمع)، ان يلتفت الي نسبة الوفيات العالية للامهات خلال ولادة و التي فاقت في اخر الدراسات الاحصائية اكثر من 11 أمرأة لكل 100 ولادة. و ليسأل نفس اهل الدراية و الاختصاص الذين يهمه أن يستنير برأيهم عن اسباب ذلك لعله يجد النسبة العالية لختان الاناث التي تقارب 70% هي المسبب الاساسي لذلك.
فالحال ان ختان الفتاة في ظروف السودان اليوم، هو جريمة قتل مؤجلة تنتظر التنفيذ. فلنتذكر الطفلة انعام و لتتذكر الدولة مسئوليتها عن الشعب و و ليخطو مجلس الوزراء التزاماً بسياساته الرسمية و حكم العقل و المنطق و المواثيق التي سبق و أن اقرها و اخرها في الموتمر الوزاري الاسلامي للوزراء الملكفين برعاية الطفولة و الذي عقد تحت رعاية السيد رئيس الجمهورية هنا في الخرطوم في فبراير الجاري و اكدعلى (ضرورة الاهتمام بالاطفال وحمايتهم من الاستغلال الجنسي والنزاعات المسلحة والزواج المبكر وختان الاناث )خطوته الاولى باتجاه وقف هذه الجريمة

من تقرير اليونسيف عن ختان الاناث 2005
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق